
على مدار سنوات عديدة كان حلم الكثير من رؤساء أمريكا، إعادة المصانع الكبرى إلى أرض الولايات المتحدة. ومن بين أبرز هؤلاء، كان دونالد ترمب، الذي رفع شعار «أميركا أولًا» وسعى إلى دفع الشركات الكبرى مثل «أبل» لتصنيع منتجاتها داخل البلاد. لكن حلم ترمب اصطدم بعقبة غير متوقعة: «البراغي الصغيرة جدًا».
ما هي «البراغي الصغيرة»؟ ولماذا تهدد الحلم الأمريكي بصناعة هواتفه محليًأ؟
البراغي هي عبارة عن مسامير دقيقة جدًا تُستخدم في تثبيت مكونات داخلية معقدة داخل هاتف «الآيفون». وقد يبدو غريبًا أن يُعيق «مسمار»لا يتجاوز طوله بضعة ملليمترات حلم دولة عظمى بإعادة التصنيع إلى الداخل، لكن الحقيقة أن هذه البراغي الصغيرة جدًا هي إحدى أهم التفاصيل الهندسية في بناء هاتف آيفون، بل وفي أي جهاز إلكتروني عالي الدقة.
في أجهزة آيفون، يتم استخدام عشرات البراغي الدقيقة لربط المكونات الداخلية مثل اللوحة الأم، البطارية، وحدة الكاميرا، ومكونات الشاشة. وهذه البراغي ليست موحدة الشكل أو المقاس، بل تختلف بحسب مكانها ووظيفتها. بعضها لا يتجاوز قطره 1.2 ملم ويحتاج إلى أدوات تثبيت خاصة وموازين ضغط دقيقة جدًا حتى لا تتلف الأجزاء الحساسة.
هذه البراغي تُركّب اليوم يدويًا أو شبه يدويًا في مصانع عملاقة في الصين والهند، حيث يعمل الآلاف في خطوط تجميع مكرّسة لهذه المهمة، بدقة متناهية وسرعة عالية.
ووفقًا لبعض المحللين والخبراء فإن الروبوتات الموجودة حاليًا في الولايات المتحدة غير قادرة على تثبيت هذه البراغي الصغيرة بنفس الكفاءة والسرعة والدقة التي توفرها اليد البشرية المدربة في المصانع الآسيوية.
بمعنى آخر: هذه البراغي الصغيرة ترمز إلى التعقيد الصناعي الهائل في الأجهزة الحديثة، وتُظهر كيف أن صناعة التكنولوجيا ليست فقط عن الابتكار، بل عن التنفيذ على نطاق ضخم وبدقة شبه مستحيلة.
ترمب وأبل: التهديد بالرسوم الجمركية
في واحدة من أشد لهجاته الاقتصادية، هدّد ترمب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25% على هواتف «آيفون» المصنّعة خارج الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن «من غير العادل» أن تُعفى هذه المنتجات من الضرائب بينما تُصنَّع في دول مثل الصين والهند.
لكن ما بدا كخطة بسيطة لإعادة التصنيع إلى الداخل الأميركي، كشف عن شبكة معقدة من التحديات التقنية والاقتصادية، بدأت من خط التجميع... وانتهت عند «برغي».
البرغي الذي أربك البيت الأبيض
قال وزير التجارة الأميركي حينها، هوارد لوتنيك، إن ملايين العمال في مصانع «أبل» حول العالم يقومون بتثبيت براغي صغيرة جدًا في كل جهاز آيفون. وبرأيه، يمكن تحويل هذا العمل إلى آليّات داخل الولايات المتحدة، ما سيخلق وظائف جديدة للعمال المهرة.
لكن تيم كوك، الرئيس التنفيذي لأبل، كان أكثر واقعية، وقال: «أحتاج إلى أذرع روبوتية متطورة يمكنها تنفيذ هذا العمل بدقة وعلى نطاق واسع، والتكنولوجيا المطلوبة لذلك ببساطة غير متوفرة بعد».
بعبارة أخرى، تصنيع هاتف ذكي ليس مسألة بناء مصنع... بل تأمين بيئة إنتاجية معقدة قادرة على التعامل مع مهام دقيقة جدًا — لا تزال الروبوتات الأميركية غير قادرة على إنجازها.
التقنية وحدها لا تكفي
وفقًا لتقرير «بلومبرج»، حتى إذا افترضنا وجود روبوتات يمكنها تركيب «البراغي الدقيقة»، فإن التحديات لا تتوقف هنا. سلسلة تصنيع آيفون تعتمد على شبكة عالمية من الموردين والمصانع الممتدة عبر قارات. فالمعالجات تصنع في تايوان، والكاميرات في اليابان، والشاشات في كوريا، والتجميع النهائي يتم في الصين أو الهند.
هذه الشبكة ليست عبثية، بل صُممت لتحقيق أعلى كفاءة ممكنة وأقل تكلفة. محاولة تفكيكها وإعادة تجميعها داخل الولايات المتحدة، تعني عمليًا إعادة اختراع بتكلفة باهظة وفعالية مشكوك فيها.
هل يتحمل الأميركيون دفع 3500 دولار لشراء آيفون؟
يقول دان إيفز، المحلل في «ويدبوش»، إن نقل عمليات التصنيع إلى الولايات المتحدة قد يستغرق 10 سنوات كاملة، وقد يؤدي إلى رفع سعر الهاتف الواحد إلى 3500 دولار في حين يباع حاليًا بحوالي 1200 دولار فقط.
هذا الفارق في السعر لا يتعلق فقط بالأجور المرتفعة في أميركا، بل أيضًا بتكلفة إنشاء مصانع جديدة، وتدريب العمال، وتوطين التكنولوجيا، والتعامل مع سلاسل إمداد جديدة بالكامل.
الحلم الأميركي في مواجهة الواقع العالمي
بالنسبة لشركة «أبل»، فإن القرار لا يتعلق فقط بالوطنية الاقتصادية، بل بالربح والخسارة، والجودة والكفاءة. لذلك، يرى كثير من الخبراء أن فكرة تصنيع الآيفون في أميركا هي قصة سياسية جذابة... لكنها مستحيلة التنفيذ في الوقت الراهن.
وفيما تتسابق دول مثل الهند وفيتنام لتصبح مراكز إنتاج جديدة، فإن الولايات المتحدة، رغم تفوقها التقني تظل متأخرة في مجالات التصنيع الدقيق والعمالة الرخيصة والبنية الصناعية المتكاملة.